من العقوبات التي شرعها الله عز وجل عقوبة السرقة حيث بين سبحانه وتعالى بقوله (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
وقد بين الفقهاء رحمهم الله تعالى الشروط التي إذا توفرت في المسروق أقامه حد السرقة على السارق .
السرقة في اللغة:
يُقال : سرق منه الشيء يسرِق سَرقاً وسَرقة وسرْقاً واسْتَرقَه جاء مستتراً إلى حرز فأخذ مالاً لغيره . وسرق الشيء أخذه منه خفية وبحيلة
: سرق منه مالاً يسرِق بالكسر سرقاً بفتحتين . والاسم السَرِق والسرقة بكسر الراء فيهما ،وربما قالوا سرقة مالاً وسرقة تسريقاً نسبه إلى السرقة وقرىء ( إن ابنك سُرق
ومنه قوله تعالى (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ)
أي سمع خفية وعلى هذا يتبين مما تقدم :
أن السرقة في اصطلاح اللغويين: هي أخذ الشيء من الغير على وجه الخفية والاستمرار .
تعريف السرقة اصطلاحاً عند الفقهاء:
إن المتتبع لتعريف الفقهاء للسرقة على اختلاف مذاهبهم يجد أنها جميعاً قد راعت المعنى اللغوي للسرقة . وهذا ما سنبينه فيما يلي :
عرفتها الحنفية :
بأنها أخذ مكلف
القطع خفية مما لا يتسارع إليه الفساد من المال المتمول للغير من حرز بلا شبهة
وعرفها المالكية :
بأنها أخذ مكلف حراً لا يعقل لصغره ، أو مالاً محترماً لغيره اً أخذه من حرزه بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه
وعرفها الشافعية :
بأنها أخذ المال خفية ظلماً من حرز مثله بشروط
وعرفها الحنابلة :
بأنها أخذ مال محترم وإخراجه من حرز مثله لا شبهة له فيه على وجه الاختفاء
وعرفها الظاهرية :
بأنها الاختفاء بأخذ شيء ليس له
وأنه بالتأمل في هذه التعريف المتقدمة : نرى أن هناك قدراً متفقاً عليه عند الفقهاء جميعاً
وهذا القدر هو قولهم ( بأن السرقة أخذ الشيء من الغير خفية بغير حق )
حكم السرقة :المراد بحكم السرقة هنا هو الحكم التكليف إذا أن لها حكمين :
1ـ حكم تكليفي وهو التحريم .
2ـ حكم وضعي : وهو كون السرقة سبباً في وجوب
القطع والضمان .
والكلام حول الحكم التكليفي وهو التحريم : وذلك أنها محرمة شرعاً وهي كبيرة من كبائر ، لعن فاعلها وحُدَ، ولقد دل الكتاب والسنة والإجماع على تحريمها :
أما الدليل من القرآن الكريم قوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
فهذه الآية الكريمة تأمرنا ، والأمر صادر من الله سبحانه وتعالى بان نقطع يد السارق . والأصل في الأمر الوجوب ما لم تكن هناك قرينة صارفة إلى غير الوجوب ، ولا قرينة هنا صارفة . فالواجب بهذه الآية قطع يد السارق. فيكون أمره سبحانه وتعالى بقطع يد السارق ووصف هذه العقوبة بالشدة ووسمها بالنكال دليل على فظاعة الجرم وعظم ال ، ومثل هذا العقاب لا يكون إلا على فعل محرم . فتكون السرقة محرمة في الكتاب العزيز . وأما دليل تحريمها من السنة النبوية فمنها:
1ـ ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده
. وجه الدلالة من هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد لعن السارق . واللعن لا يكون إلا على الفعل المحرم خاصة
2ـ ما رواته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)
. وجه الدلالة من هذا الحديث أن السارق تقطع يده بشروط منها بلوغ ال في المسروق .
3ـ ما رواه ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا يحل لا مريء من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس )
ففي هذا الحديث الدلالة على حرمة مال المسلم إلا ما طابت به نفسه ،والسرقة أخذ مال الغير من غير طيب نفس منه فتكون محرمة .
وأما الإجماع : فقد أجمع الفقهاء من عصر الرسول عليه الصلاة والسلام حتى وقتنا هذا على حرمة السرقة ، كما أجمعوا على قطع يد السارق إذا تحققت سرقته بالكيفية والشروط التي يستحق معها أن يقطع
الحكمة من تحريم السرقة
مما لاشك فيه أن ذوي الجد والاجتهاد في العمل إذا ما نظروا إلى أموالهم التي حصلوا عليها بكسبهم الحلال محفوظة ومصانة من عبث العابثين وطمع الطامعين ، ولا تمتد إليها يد البطالة والأغراض الدنيئة ، وأنهم وحدهم هم المنتفعون بها، واصلوا كفاحهم وكدهم وجدهم ، وضاعفوا من إنتاجهم ، ودأبوا على استثمارها وإنمائها .أما لو كانت يد الغير مطلقة في أموالهم دون مؤاخذة وعقاب فإن ذلك يؤدي إلى وهن المجتمع لتقاعس أفراده ، وانتشار بذور العداوة والبغضاء بينهم ، لأن النفس البشرية طبعت بحب المال والاستتار به
فلذا كانت السرقة جريمة منكرة وكبيرة من الكبائر التي تتنافي مع المروءة والأخلاق الفاضلة . ولهذا لعن الله سبحانه وتعالى فاعلها، فقد جاء في الحديث الصحيح حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده)
كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قول الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن
وكذلك حرم الإسلام السرقة لأنها من الفساد في الأرض قال سبحانه تعالى (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ)
وجعل حدها
القطع محافظة على أموال الناس من الضياع ومانعاً لأصحاب الأطماع من أخذ مال الغير بغير حق ، وزاجراً لكل معتد أثيم تسول له نفسه أن يمد يده إلى ما ليس من حقه إلا برضى صاحبه وعن طيب نفس .
و إن النصوص القرآنية الكثيرة تدل على أن الفساد ممنوع بحكم الشرع ، وقد وضعت الشريعة الأحكام المنظمة لذلك والعقوبات الحامية لهذه الأحكام
الشروط المتعلقة بالسارق
لقد اشتراط الفقهاء شروطاً معينة في السارق ، بعضها اتفقوا عليه ، والبعض الآخر اختلفوا فيه وذلك على النحو الآتي 0
1ـ الشرط الأول:
شرط التكليف:أي أن يكون السارق بالغا عاقلاً . وهذا الشريط أجمع عليه الفقهاء،فالصغير والمجنون ليسا أهلا للعقوبة.واستدل الفقهاء على ذلك : بما رواه أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ،وعن الطفل حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يبرأ أو يعقل )
وجه الدلالة من الحديث أن الرسول أخبر أن القلم مرفوع عن الصبي والمجنون ، وفي قطعهما إجراء للحد عليهما ، وهو مخالف للنص لتنافي ذلك مع ما ورد من أنهما غير مكلفين ،فوجب أن يكون السارق مكلفاً ، والذكر والأنثى في ذلك سواء ، لعموم قوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
2ـ الشرط الثاني:
أن يكون السارق مختارا في الفعل :أي غير مكره على إتيانه .
وهذا الشرط أختلف الفقهاء فيه على قولين :
القول الأول :جمهور الفقهاء
. فذهبوا إلى أنّ عدم الإكراه على السرقة شرط لابد منه في السارق لتستوفي العقوبة شروطها ,فلا يقطع المكره على السرقة عندهم , لأنه كالآلة في يد المكره . واستدلوا على ذلك :بما روي ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال(رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ووجه استدلالهم من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنّ الشخص الذي يفعل شيئا منهيا عنه شرعا في حالة الإكراه لا إثم عليه , ومتى انتفى الإثم عنه فلا عقوبة , والقطع عقوبة فلا يجري على المكره على السرقة , وإنما ينفذ على من أقدم عليها مختاراً .
القول الثاني :ذهب الظاهرية إلى عدم اشتراط ذلك . فالاختيار ليس بشرط عندهم , فلو أكره مكلف على السرقة قطعت يده . قال ابن حزم: والإكراه على الفعل إن كانت لا تبيحه الضرورة – كالقتل والجراح والضرب وإفساد المال – فهذا لا يبيحه الإكراه . فمن اكره على شيء من ذلك لزمه القود والضمان لأنه محرم عليه إتيانه
الترجيح: هذا وأرجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من اشتراط الاختيار , لأن الإكراه ينفي الاختيار فهما لا يلتقيان أبدً لأن المكره يكون كالآلة في يد المكره , وهذا ما أفاده حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال(رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )
3ـ الشرط الثالث:
أن يكون السارق حراً : أختلف الفقهاء في هذا الشرط على قولين :
القول الأول :وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم اشتراط الحرية في
القطع
وقد استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بالكتاب وعمل الصحابة والمعقول :
فأما الكتاب: فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)
وجه الدلالة إنّ الله تعالى أوجب قطع السارق من غير تفريق بين حرّ و رقيق ,ذلك أنّ الآية وردت بصيغة العموم , ولم يرد في كتاب ولا سنة ما يخصص هذا العموم , بل ثبت ما يؤيده من عمل بعض الصحابة فيبقى
القطع على عمومه .
وأما عمل الصحابة : فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّه أتي برقيق لحاطب ابن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها ,فأمر كثيّر بن الصلت أن تقطع أيديهم ,ثم قال عمر: والله إني أراك تجيعهم ولكن لأغرمنك غرماً يشق عليك،ثم قال للمزني كم ثمن ناقتك قال:أربعمائة درهم .قال عمر:أعطه ثمانمائة درهم وكذلك روي أن عبداً أقر بالسرقة عند علي رضي الله عنه فقطعه
ووجه الاستدلال بهذا الأثر أنّ كثير بن الصلت قطع أيدي الرقيق في السرقة , وعلم بذلك عمر،ولم ينكر عليه ذلك , كما أن علياً قطع يد العبد الذي أقر عنده بالسرقة , فكان هذا دليلاً على قطع يد العبد إذا سرق , كالحر تماماً . قال ابن قدامة: هذه قصص انتشرت في زمن الصحابة , ولم تنكر فتكون إجماعاً
* وأما المعقول: فقالوا إنّه من المتفق عليه: أن حد السرقة يجب توقيعه عند ثبوت موجبه ,حماية للأموال وحفاظاً لها , ولو ما قيل بأن العبد السارق لا تقطع يده لا تنفذ
هذه القاعدة, ولأدى ذلك إلى ضياع أموال الناس
القول الثاني : ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنه إلى اشتراط الحرية لإقامة الحد على السارق . فحكي عنه أنّه قال: لا قطع على الرقيق ذكرً كان أو أنثى
وقد استدل ابن عباس على ما ذهب إليه من اشتراط الحرية بما يلي:
1ـ قياس
القطع في السرقة على الرجم في الزنا , بجامع أن كلا منهما حد لا يمكن تصنيفه , فكما أنه لا يجب رجم الرقيق المحصن إذا زنى , كذلك لا يجب قطعه إذا سرق
2ـ إن الرق منقص للنعمة , فيترتب عليه إنقاص العقوبة , لأن الجناية عند توافر النعم أفحش مما يستلزم تغليظ العقوبة . يقول تعالى: (يا نساء النبي من يأتي منكم بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين)
.فلو قيل بإقامة الحد على العبد في السرقة لتساوى مع الحر في ذلك , وهو مالا يجوز لما تقدم .
وقد أجاب جمهور الفقهاء على ما استدل به ابن عباس بما يلي:
1ـ نمنع أن العلة هي إمكان التنصيف , لجواز أن يكون ذلك مع وجود ما يقوم مقام الرجم في دفع مفسدة الزنا , وهو الجلد, بخلاف السرقة .فإنه تعالى لم يجعل لها إلا حداً واحداً , وهو
القطع . فلما استحال تصنيف الرجم بالنسبة للعبد المحصن الزاني ,كان الجلد .أما
القطع فقد دفعت الضرورة إلى تكميله بسبب استحالة تصنيفه , ولا بديل له , فيكون قياس حد
القطع على حد الزنا غير صحيح
2ـ إنّ الضرورة تدفع إلى
إقامة حد السرقة على العبد , وتساويه مع الحر في ذلك, لأن إسقاط الحد على الرقيق تعطيل له,وإهدار للمحافظة على الأموال والتي هي إحدى الضروريات التي تحافظ عليها الشريعة الإسلامية
الترجيح : و إنّي أرجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم اشتراط الحرية وذلك :
لقوة أدلتهم , ومناقشتهم حجة الفريق الثاني , وردّهم لها , ولأن ذلك يؤدي إلى سد الذرائع ودرء المفاسد , لما فيه من حماية للأموال وصيانة لها من الضياع , ذلك أن
القطع لو لم يشرع عقوبة للأرقاء على اعتدائهم بالسرقة على أموال الغير , لكانت مهددة بخطر اعتدائهم عليها , فلم تحصل الحكمة المقصودة من شريعة
القطع حداً في السرقة .
4ـ الشرط الرابع:
الالتزام بأحكام الإسلام : يشترط في السارق حتى توقع عليه عقوبة
القطع أن يكون ملتزما لأحكام الإسلام , لأنه لا ولاية للإمام على غير الملتزم للأحكام .لذا أجمع الفقهاء على أن المسلم والذمي يقام عليهما حد السرقة إذا سرقا لأن كل منهما ملتزم بأحكام الإسلام . المسلم بإسلامه , والذمي بعقد الذمة الذي ارتضاه ودفع الجزية بمقتضاه .
واختلفوا في الحربي المستأمن إذا سرق على قولين :
القول الأول: يذهب إلى أنّ الالتزام بالأحكام الإسلامية شرط لإقامة حد السرقة , فلا بد أنّ يكون السارق ملتزما للأحكام حتى يقام الحد عليه .وبناء على هذا الرأي لا يقام الحد على الحربي المستأمن إذا سرق .وأصحاب هذا الرأي هم أبو حنيفة ومحمد
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1ـ إنّ دخول الحربي المستأمن دار الإسلام ليس للإقامة فيها , وإنما لمجرد المرور , أو لحاجة يقضيها , والاستئمان لا يلزمه بجميع أحكام الشريعة , وإنما يلزمه بما يتفق مع غرضه من دخول دار الإسلام وبما
يعود إلى تحقيق مقصده , إذ أنّه متعلق بحقوق العباد , وبمقتضاه يلتزم بالإنصاف , وكف الأذى في مقابلة الالتزام له بإنصافه وكف الأذى عنه , ولما كان حق الله تعالى غالبا في السرقة فإنها لا تلزم المستأمن ولا يؤاخذ بها بخلاف ما يمس حقوق العباد مباشراً كالقذف , فإنّ المستأمن يؤاخذ به
وعلى ذلك لا قطع على المستأمن .
2ـ إن المستأمن لم يلتزم بأحكام الشريعة لعدم دخوله فيها , ولعدم قبوله الدخول في عقد الذمة , فيكون
إقامة الحد عليه إلزاماً له بما يلتزم به . وعلى هذا لا قطع على المستأمن المحارب .
3ـ إن المستأمن المحارب يأخذ مال المسلم أو الذمي معتقداً إباحته لكونه محارباً . وهذا الاعتقاد شبهة تسقط الحد عنه , كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قول الرسول عليه الصلاة والسلام (ادرؤوا الحدود بالشبهات ولذا فلا قطع على المستأمن .
القول الثاني: يذهب إلى الالتزام بالأحكام الإسلامية ليس بشرط في
إقامة حد السرقة . وبناء على هذا الرأي فإنّ الحربي المستأمن يطبق عليه الحد إذا سرق ,وقد قال بهذا القول المالكية وأبو يوسف من الأحناف
كما أنّه الرأي الراجح عند الشافعية
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1ـ إنّ الشريعة الإسلامية يجب تطبيقها بالنسبة لجميع المقيمين في دار الإسلام , لا فرق بين
إقامة دائمة أو مؤقتة , لأنها شريعة الله لكل البشر , وقائمة على العدل المطلق وتحقق المصالحة الكاملة
2ـ إنّ أمانة دليل على التزامه الأحكام الإسلامية , فهو كالذمي , ولأنه حد يطالب به , فوجب عليه كحد القذف , فإذا وجب في حقه أحدهما وجب الآخر
3ـ إنّ الفرق بين
إقامة المستأمن وإقامة الذمي: أنّ الأولى مؤقتة ,والثانية دائمة , ويجب أن يكون الالتزام بأحكام الإسلام هكذا لا يختلف إلا في التوقيت مع المستأمن , والدوام مع الذمي .
4ـ إنّ طلب المستأمن الدخول في دار الإسلام والإقامة فيها يعتبر التزاماً بأحكام الإسلام مدة إقامته , لأن منحه حق الدخول والإقامة تم على شرط التزامه لأحكام الإسلام جميعاً
5ـ إن السبب الملزم للمسلم والذمي بأحكام الإسلام موجود في المستأمن ,لأن المسلم التزم بإسلامه, والذمي التزم بعقد الذمّة, والمستأمن مثلهم يلتزم بأحكام الإسلام بسبب عقد الأمان المؤقت الذي أعطاه حق الإقامة المؤقتة في دار الإسلام .
6ـ إن إفساد المال يحصل بسرقة المستأمن ,كما يحصل بسرقة الذمي سواء بسواء , ولذا فالمساواة بينهما في المعاملة درء لمفاسد كثيرة يمكن أن تنتشر لو انتفت هذه المساواة .
الترجيح: إنّ الناظر في القولين وأدلتهما لا يسعه إلا أن يرجح القول الثاني , والقائل بعدم اشتراط الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية لتوقيع حد السرقة, وذلك لقوة أدلتهم , ولأن السرقة مجلبة للفساد في الأرض فلا ينجو مرتكبها أيا كان من إنزال العقوبة به, لأنه يضر بنفسه, كما يضر بالجماعة, كما أن الأمان يعد عقداً مؤقتاً بين المستأمن والمسلمين مما يلزمه بأحكام الإسلام,بلا فرق بينه وبين الذمي الذي يعيش في دار الإسلام, ويلتزم بأحكام الإسلام, وفق عقد الذمة الدائم, وأيضا لأنه يتفق مع عناية الشريعة في المحافظة على الأموال وصيانتها , واعتبار ذلك أحد مقاصدها , فلا تمتد إليها يد مسلم ولا كافر ذميا كان أو حربيا مستأمناً .
أختلف الفقهاء فيما إذا سرق المسلم مال المستأمن:
يرى الحنابلة وجوب قطعه, لأنه سرق مالاً معصوماً من حرز مثله كسارق مال الذميّ
ويرى أبو حنيفة: عدم القطع, لأن دم المستأمن وماله ليسا معصومين مطلقاً بل لمدة محددة. وهذه شبهة تسقط الحد
وقال مالك: إذا سرق مسلم مقدار من مال ملك لرجل مستأمن يجب
القطع على السارق, لأنه مال محرز مملوك للمستأمن فتجري عليه أحكام أهل الذمة وأهل الإسلام,مادام في بلادنا
وفي مذهب الشافعي ثلاثة أقوال :
أولها: أنه يقطع إن اشترط عليه في العهد
القطع في السرقة, فإن لم يشترط عليه
القطع فلا قطع.
والقول الثاني: أنه يقطع مطلقا .
و الثالث: أنه لا يقطع مطلقا . وهذا القوال الأخير هو الراجح في مذهب الشافعية
الترجيح :وإني أرجح ما ذهب إليه القائلون بالقطع, لأن هذا يتفق مع أحد المبادئ الأساسية في التشريع الإسلامي من المساواة بين البشر في الحقوق والواجبات, فما دام قد سبق وقلنا إن المستأمن إذا سرق مال المسلم فيقطع . فإن هذا الالتزام يقابله حقه في صيانة أمواله, والمحافظة عليها . قال تعالى: ( وإن أحد من المشركين استأجرك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم بلغ مأمنه )
.فما دام هؤلاء المعاهدون قد انصاعوا لأحكامنا فلا بد من إبلاغهم أمنهم .
5 ـ الشرط الخامس:
أن يكون السارق لا شبهة له في المال المسروق:
أختلف الفقهاء في هذا الشرط على قولين:
القول الأول: اشترط لإقامة الحد انتفاء شبهة السارق في ملكية المال المسروق . فإن كان له شبهة فلا حد عليه . وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء
ويلاحظ أن الجمهور وإن اتفق على هذا الشرط , إلا انهم اختلفوا فيمن ينطبق عليه وجود الشبهة . فاتفق الأئمة الأربعة: على أن الوالد لا يقطع إذا سرق مال ابنه أو ابنته, وكذلك الأم إذا سرقت مال ابنها أو ابنتها.
وزاد الشافعية: أن الأجداد والجدات لا يقطعون بسرقتهم مال فروعهم وإن سلفوا.
وقالوا أيضا- عدا مالك- : إنه لا قطع على الولد ولا على البنت فيما سرقاه من مال الوالدات أو الجدات أو الأجداد
ومالك يرى
القطع على الابن و الابنة إذا سرقا من مال الوالدين أو الأجداد أو الجدات
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا قطع على كل من يسرق مالاً لأحد من رحمه المحرم
وقد استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بما يأتي:
1ـ ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال
ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا
2ـ ما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال(ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله , فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)
3ـ ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال(ادرؤوا الحدود بالشبهات
ووجه استدلال الجمهور بهذه الأحاديث أنها تفيد وجوب درء الحدود بالشبهات, ولما كان
القطع في السرقة حدا فلا يجب مع وجودها , عملاً بما أشارت إليه هذه الأحاديث .
وقد استدل جمهور الفقهاء على عدم قطع الوالدين بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه
وفي لفظ ( فكلوا من كسب أولادكم )
.كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
وقوله صلى الله عليه وسلم (أنت ومالك لأبيك )
فقالوا: إنه لا يجوز قطع الإنسان بأخذ ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذه , ولا أخذ ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم مالاً مضافاً إليه, ولأن الحدود تدرأ بالشبهات, وأعظم الشبهات أخذ الرجل من مال جعله الشارع له, و أمره بأخذه وأكله
واستدل من قال بعدم قطع الفروع بسرقة مال الأصول: أن بينهما قرابة واتحادا تمنع قبول شهادة أحدهما لصاحبه, فلم يقطع بسرقة ماله كالأب, ولأن النفقة تجب في مال الأب لابنه حفظا له فلا يجوز إتلافه حفظا للمال, وكذلك فإن مال كل منهما موصد لحاجة الآخر)
واستدل مالك على قطع الفروع بسرقة مال الأصول بعموم قوله تعالى(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما )
وكذا استدل بضعف الشبهة في هذه الحالة لأن الابن يحد إذا وطئ جارية أبيه أو أمه . بخلاف الأب إذا وطئ جارية ابنه فإنه لا يحد لقوة الشبهة, فيقطع الابن لسرقة مال أبيه كالأجنبي
وأجاب الجمهور على ذلك بأن عموم الآية خصصته أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم .وأما الزنا بجارية أبيه فيجب به الحد, لأنه لا شبهة له فيها, بخلاف المال فإن له فيه شبهة, وهو أنه إذا افتقر أو صار ذا حاجة فإن نفقته تجب على والده .
واستدل الأحناف على عدم قطع ذي الرحم المحرم . بأن الرحم المحرم قرابة تمنع النكاح, وتبيح النظر وتوجب النفقة, فهي أشبه بقرابة الولادة
وأجاب الجمهور عليهم بأنها قرابة تمنع الشهادة, فلا تمنع
القطع كقرابة غيره, وفارق قرابة الولادة بهذا
القول الثاني: يرى عدم اشتراط هذا الشرط , فهم لا يشترطون انتفاء الشبهة لوجوب القطع, فيقطع السارق عندهم مطلقا سواء كانت له شبهة في المال المسروق منه أم لم تكن . وهذا ما ذهب إليه أهل الظاهر وبعض الفقهاء كأبي ثور وابن المنذر
و قد استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
1ـ بعموم قوله تعالى(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما )
فقالوا: إن الله تعالى أوجب
القطع على السارق بشكل عام , من غير تفريق بين من لا شبهة في مال المسروق منه , ومن لا شبهة له فيه .
وقد أجاب الجمهور على هذا الاستدلال: بان العموم قد خص بالأحاديث الصحيحة سالفة الذكر والتي سبق الاستدلال بها .
2ـ إن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله( أنت ومالك لأبيك)
قد نسخ بآية المواريث إذ فرقت بين مال الأصل ومال الفرع .
وأجاب الجمهور على ذلك: بأن القول بأن هذا الحديث قد نسخ غير صحيح,لأنه لا تعارض بينهما, فالآية تحدد الأنصباء في تركة الميت بالنسبة للورثة الأحياء بينما الحديث يتحدث عن الأحياء .
الترجيح :
وإني أرجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم
القطع عند وجود الشبهة, خلافا للظاهرية ومن معهم لقوة أدلتهم, ولأنه أولى بالقبول, ولأن الإطلاق في الآية الكريمة قد قيد بالسنة النبوية التي أثبت وجود الشبهة. وأمرت بدرء الحدود بالشبهات, ولأن
القطع عقوبة شديدة فيجب الاتقاء حتى يكون السبب تاماً .
ومع وجود شبهة للسارق في مال المسروق منه لا يتحقق الاعتداء فيكون
القطع غير مناسب للجريمة ويكون وجوبه ظلم, وحاشا أن يكون في أحكام الشريعة ظلم .