عرض مشاركة واحدة
قديم 20-07-2026, 06:16 PM   #1
FAISAL
عضو بلاتيني


الصورة الرمزية FAISAL
FAISAL غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 6523
 تاريخ التسجيل :  May 2014
 أخر زيارة : 20-07-2026 (08:13 PM)
 المشاركات : 6,375 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي في شطرنج النفط.. أمريكا "الوزير" روسيا "القلعة" والسعودية "الملك"





عبدالرحمن عابد
الاثنين 20 يوليو 2026 15:9

وصف مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زيغنيو بريجينسكي حروب النفط العالمية بأنها "معارك شطرنج" تعتمد على النفس الطويل وكيفية تحريك القطع وفق خطة مدروسة تنتهي بتوجيه ضربة قاتلة للخصم، كما قال المفكر الأمريكي الذي صك هذا المصطلح في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" الصادر 1997 إن مخزونات الطاقة هي قطع إستراتيجية يتم تحريكها بالتخفيض أو الزيادة في توقيتات بالغة الحساسية لمحاصرة المنافسين أو إجبارهم على التراجع وفق قواعد منظمة تضمن حماية الحصص السوقية وتأمين الممرات البحرية، وكالشطرنج تمامًا هناك لاعبون برزوا خلال القرن الماضي أبرزهم الولايات المتحدة التي تجسد "الوزير" وروسيا التي تمثل "القلعة" بينما توصف الصين بـ "الفيل"، وبالنسبة لـ"الملك" بحسب بريجينسكي فهي الرياض كونها أكبر طاقة إنتاجية فائضة في العالم، فمن بين 5.5 مليون برميل فائض يوميًا تمتلك المملكة لوحدها 3.1 مليون برميل وفق أوبك.
نظرية زيغنيو تتكرر اليوم في معركة شطرنج متعددة الأطراف دفعت "ملك الطاقة " السعودي إلى استباق التحرك بإعلان أرامكو عن منح عقود مليارية ضخمة لشركة هاليبرتون الأمريكية لتطوير حقل الجافورة أحد أكبر حقول الغاز غير التقليدي في العالم، وبموجب تلك العقود سيتم إدخال لأول منصة تكسير مائي ذكي في المنطقة وهذا ما جعل الأمر ليس مجرد اتفاقات تجارية ينتج عنها تحرير مليون برميل نفط يوميًا بل توطين لسلاح التكنولوجيا الفائقة ما يضمن للمملكة السيادة على المدى الطويل خاصة أن الفائض الجديد سيوجه إلى الأسواق الآسيوية ليضمن بقاء أرامكو القطب الأقوى.


قبل هذا التحرك الهجومي فوق رقعة الشطرنج العالمية أمنت السعودية دفاعتها بإعلان أرامكو عن خفض تاريخي لسعر خامها العربي الخفيف الموجه إلى آسيا بمقدار 11 دولارا في البرميل لشحنات شهر أغسطس وفق وكالة بلومبرغ، وهو التخفيض الأكبر منذ 26 عامًا للقارة الصفراء التي تستورد 80% من إجمالي الصادرات البترولية السعودية، أما أسباب القرار فهو ضمان عدم تمرد المصافي الآسيوية على السعودية في ظل تحركات الدول التي استغلت الانفراجة التدريجية في مضيق هرمز ليرفعوا من إنتاجهم كطهران التي أعلنت ضخ 50 مليون برميل بعد هدوء الأوضاع وروسيا التي لجأت للخصومات لكسب الهند والصين وعروض أخرى كويتية وعراقية وإماراتية دفعت السعودية عبر " أوبك بلس" إلى زيادة الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يوميا في خطوة وصفتها رويترز بـ" ضمان لدوران أسطول ناقلات المملكة في الأسواق الآسيوية".


دخلت السعودية إلى معارك الشطرنج عام 1973 في ظل أجواء متوترة عربيًا وعالميًا وآنذاك اتخذ الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز قراره التاريخي بتخفيض الإنتاج بنسبة 5% شهريًا متبوعًا بحظر نفطي كامل على الولايات المتحدة ودول أخرى لتشتعل الأسواق ويصاب الاقتصاد الغربي بالشلل، وبتحرك آخر من الرياض ارتفعت أسعار النفط بنسبة 400% وفق البنك الدولي ووصل سعر البرميل 12 دولارا بعد أن كان لا يتجاوز الـ3 دولارات، تلك النتائج لم تكن مجرد انتصار اقتصادي للسعودية ولا ترسيخ لمكانتها كأقوى قوة نفطية في الشرق الأوسط بحد وصف هنري كيسنجر مستشار الأمن الأمريكي الراحل بل أثبتت أيضًا أن اللاعب الجديد في معارك الشطرنج قادر على إنهاء الجولات بأسرع الطرق.


الانتصار في الشطرنج لا يتطلب أحيانًا سوى التلويح بالخطوة المقبلة، وهذا ما حدث في 2018 حين حاولت روسيا تجنب التزام أوبك بتخفيض الإنتاج وأرادت ضخ كميات إضافية في السوق لصالحها، فما كان من المملكة سوى اتباع سياسة النفس الطويل والاكتفاء بالتلويح بقدرة أرامكو على فتح صنابير الإنتاج لأقصى طاقة تتجاوز 11 مليون برميل يوميًا وإغراق السوق، بمجرد هذا الإعلان هبطت أسعار الذهب الأسود لدرجة لم تستطع أن تتحملها موسكو التي تراجعت وظهر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي بوتين على هامش قمة مجموعة العشرين بالأرجنتين 2018 وصافحا بعضهما بطريقة شهيرة تناقلتها وكالات الأنباء كإعلان انتصار "الملك" السعودي وإنهاء حرب الأسعار الصامتة، ومن الناحية الاقتصادية أثمر ذلك عن إعادة أسعار خام برينت ليدور حول حاجز 80 دولار ما أنقذ ميزانيات الدول المنتجة.


وإذا كانت "القلعة الروسية" تراجعت فـ"الوزير" الأمريكي خسر جولته أيضًا التي بدأت في 2022 مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وزيادة نسبة التضخم في الولايات المتحدة، وآنذاك مارس جو بايدن ضغوطًا سياسية وإعلامية على الرياض لمطالبتها بزيادة إنتاج النفط لإنقاذ موقفه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، غير أن "الملك" السعودي رفض وأكد أن القرار يتخذ بناء على أساسيات السوق وليس أجندات واشنطن وصرح الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي وقتها أن "القرارات بناء على توازن العرض والطلب "، وكذلك أكدت الخارجية السعودية رافضة أي سياسات لا تستند إلى الحقائق الاقتصادية لأسواق الطاقة.


أمام هذا التحرك اضطر بايدن للقدوم بنفسه إلى قمة جدة في يوليو 2022 وحاول إقناع الجانب السعودي بزيادة المعروض وهي خطوة قوبلت بالرفض، فبعد 3 أشهر أعلن تحالف "أوبك بلس" خفض الإنتاج بمقدار مليوني برميل يوميًا وهو إجراء وصفه البيت الأبيض بـ"المخيب للآمال"، لكن أمام هذه الصلابة الإستراتيجية استعادت أسواق الطاقة العالمية توازنها وسجلت أرامكو أرباحا غير مسبوقة بلغت 161 مليار دولار آنذاك.
براعة السعودية في اختيار مواعيد زيادة الإنتاج لتخفيض الأسعار أو العكس وتمكنها من فرض قرارها بالتنسيق مع الدول المنتجة وعبر مؤسسات "أوبك" و"أوبك بلس" لم يخدم فقط المملكة، بل خدم في المقام الأول مصلحة الشعوب التي حمتهم الرياض من إعصار أسعار الطاقة العشوائي أو رغبة دول في احتكار تلك السلعة التي تتحكم في أسعار 90% من السلع الأخرى، ومن هذا المنطلق تخوض السعودية جولتها الجديدة اليوم في السوق الآسيوية وتزيد من إنتاجها للحفاظ على سوق الطاقة في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من أزمات وصراعات متتالية.. ويبقى السؤال الآن متى تقول الرياض لمن حولها: كش ملك.


 


رد مع اقتباس